مجمع البحوث الاسلامية

837

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

استدلّ بأحاديث ] وقال بعضهم : الآية غير منسوخة ، لأنّ النّسخ لا يرد على الأخبار ، إنّما يرد على الأمر والنّهي ، وقوله : يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ خبر لا يرد عليه النّسخ . ثمّ اختلفوا في تأويلها ، فقال قوم : قد أثبت اللّه تعالى للقلب كسبا ، فقال : بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ البقرة : 225 ، فليس للّه عبد أسرّ عملا أو أعلنه من حركة في جوارحه أو همّة في قلبه ، إلّا يجزه اللّه به ويحاسبه عليه ، ثمّ يغفر بما يشاء ويعذّب بما يشاء . وهذا معنى قول الحسن ، يدلّ عليه قوله تعالى : إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا الإسراء : 36 . وقال الآخرون : معنى الآية : إنّ اللّه عزّ وجلّ يحاسب خلقه بجميع ما أبدوا من أعمالهم أو أخفوه ويعاقبهم عليه ، غير أنّ معاقبته على ما أخفوه ممّا لم يعملوه بما يحدث لهم في الدّنيا ، من النّوائب والمصائب والأمور الّتي يحزنون عليها . [ ثمّ ذكر بعض الرّوايات ] وقال بعضهم : وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ يعني ما في قلوبكم ممّا عزمتم عليه أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ولا تبدوه وأنتم عازمون عليه يحاسبكم به اللّه . فأمّا ما حدّثت به أنفسكم ممّا لم تعزموا عليه ، فإنّ ذلك ممّا لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها ولا يؤاخذكم به ، دليله قوله تعالى : لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ البقرة : 225 . وقيل : معنى المحاسبة : الإخبار والتّعريف ، ومعنى الآية : وإن تبدوا ما في أنفسكم فتعملوا به ، أو تخفوه ممّا أضمرتم ونويتم ، يحاسبكم به اللّه ويخبركم به ويعرّفكم إيّاه ، ثمّ يغفر للمؤمنين إظهارا لفضله ، ويعذّب الكافرين إظهارا لعدله . ( 1 : 397 ) ابن عطيّة : [ نقل الأقوال في الآية وقال : ] ورجّح الطّبريّ أنّ الآية محكمة غير منسوخة وهذا هو الصّواب ؛ وذلك أنّ قوله تعالى : وَإِنْ تُبْدُوا . . . معناه ممّا هو في وسعكم وتحت كسبكم ؛ وذلك استصحاب المعتقد والفكر فيه ، فلمّا كان اللّفظ ممّا يمكن أن تدخل فيه الخواطر أشفق الصّحابة والنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فبيّن اللّه تعالى لهم ما أراد بالآية الأولى وخصّصها ، ونصّ على حكمه أنّه لا يكلّف نفسا إلّا وسعها . والخواطر ليست هي ولا دفعها في الوسع ، بل هو أمر غالب ، وليست ممّا يكسب ولا يكتسب ، وكان في هذا البيان فرحهم وكشف كربهم . وباقي الآية محكمة لا نسخ فيها . ( 1 : 390 ) الفخر الرّازيّ : واعلم أنّ محلّ البحث في هذه الآية أنّ قوله : وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ يتناول حديث النّفس ، والخواطر الفاسدة الّتي ترد على القلب ، ولا يتمكّن من دفعها ، فالمؤاخذة بها تجري مجرى تكليف ما لا يطاق ، والعلماء أجابوا عنه من وجوه : الأوّل : أنّ الخواطر الحاصلة في القلب على قسمين : فمنها ما يوطن الإنسان نفسه عليه ويعزم على إدخاله في الوجود ، ومنها ما لا يكون كذلك ، بل تكون أمورا خاطرة بالبال ، مع أنّ الإنسان يكرهها ، ولكنّه لا يمكنه دفعها عن النّفس ؛ فالقسم الأوّل : يكون مؤاخذا به ، والثّاني : لا يكون مؤاخذا به . ألا ترى إلى قوله تعالى :